الغزالي
135
إحياء علوم الدين
حين قال لهما لا تذهبا إليه ، فإنه لا يؤمر كما عليها ، فقالا له ما هذا منك إلا نفاسة . والله لقد زوجك ابنته فما نفسنا ذلك . عليك ، أي هذا منك حسد ، وما حسدناك على تزويجه إياك فاطمة ، والمنافسة في اللغة مشتقة من النفاسة . والذي يدل على إباحة المنافسة ، قوله تعالى * ( وفي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ ) * « 1 » وقال تعالى * ( سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ من رَبِّكُمْ ) * « 2 » وإنما المسابقة عند خوف الفوت ، وهو كالعبدين يتسابقان إلى خدمة مولاهما ، إذ يجزع كل واحد أن يسبقه صاحبه ، فيحظى عند مولاه بمنزلة لا يحظى هو بها . فكيف وقد صرح رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك فقال [ 1 ] « لا حسد إلَّا في اثنتين رجل آتاه الله مالا فسلَّطه على هلكته في الحقّ ورجل آتاه الله علما فهو يعمل به ويعلَّمه النّاس » ثم فسر ذلك في حديث أبي كبشة الأنمارى فقال [ 2 ] « مثل هذه الأمّة مثل أربعة رجل آتاه الله مالا وعلما فهو يعمل بعلمه في ماله ورجل آتاه الله علما ولم يؤته مالا فيقول ربّ لو أنّ لي مالا مثل مال فلان لكنت أعمل فيه بمثل عمله فهما في الأجر سواء » وهذا منه حب لأن يكون له مثل ماله ، فيعمل مثل ما يعمل ، من غير حب زوال النعمة عنه قال « ورجل آتاه الله مالا ولم يؤته علما فهو ينفقه في معاصي الله ورجل لم يؤته علما ولم يؤته مالا فنقول لو أنّ لي مثل مال فلان لكنت أنفقه في مثل ما أنفقه فيه من المعاصي فهما في الوزر سواء » فذمه رسول الله صلى الله عليه وسلم من جهة تمنيه للمعصية لا من جهة حبه أن يكون له من النعمة مثل ماله فإذا لا حرج على من يغبط غيره في نعمة ، ويشتهي لنفسه مثلها ، مهما لم يحب زوالها عنه ، ولم يكره دوامها له . نعم إن كانت تلك النعمة نعمة دينية واجبة ، كالإيمان والصلاة ، والزكاة ، فهذه المنافسة واجبة . وهو أن يحب أن يكون مثله ، لأنه إذا لم يكن بحب ذلك فيكون راضيا بالمعصية ، وذلك حرام . وإن كان النعمة من الفضائل ، كإنفاق
--> « 1 » المطففين : 26 « 2 » الحديد : 12